الشيخ ابن عثيمين

السؤال

وهل لهذا أصل (أعني هجر العاصي)؟

الجواب

نعم. له أصل، وأصله أن النبي -صلى الله عليه وسلم- خرج إلى غزوة تبوك في السنة التاسعة، في فصل الصيف حين طابت الثمار؛ أي: أنه في أشد ما يكون من الحر، ولهذا تخلف المنافقون عنه، وتخلف من الرجال المؤمنين حقاً ثلاثة وهم: كعب بن مالك، والثاني: هلال بن أمية، والثالث: مرارة بن الربيع، تخلفوا عن الغزوة مع أنهم قادرون، وليس لهم عذر، فلما قدم النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة جاء المعذرون من الأعراب، وجاء المنافقون يحلفون بأنهم معذورون، فكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يستغفر الله لهم ويكل سرائرهم إلى الله، أما كعب بن مالك، فأخبر بالصدق وقال: إنه تخلف لغير عذر، وإنه في هذه الغزوة يملك بعيرين، ولكنه -رضي الله عنه- كان صريحاً، فقال له النبي -عليه الصلاة والسلام-: «اذهب فسوف يقضي الله فيك ما شاء» ثم أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بهجر هؤلاء الثلاثة، فهجرهم الناس، هجرهم النبي -صلى الله عليه وسلم-، يقول كعب: كنت آتي فأسلم على النبي -صلى الله عليه وسلم- فأقول: هل حرك شفتيه برد السلام أم لا، مع أنه أحسن الناس خلقاً، فهذا أصل في هجر الفاسق، وهم لا شك أنهم تابوا فتاب الله عليهم، وأنزل فيهم آيات تتلى إلى يوم القيامة، يقرءها الناس في صلاتهم، وفي خلواتهم ولكننا نقول: هجر العاصي جائز، إذا كان في ذلك مصلحة بحيث يرتدع، أما إذا كان في ذلك مفسدة بحيث يزداد فسقه ويقول: ما هؤلاء (المطاوعة) لا يسلمون علينا؟ فلا يهمنا أمرهم، وما أشبه ذلك من الكلام الذي يدل على أنه متمرد، فهنا لا نهجره، لأنه مؤمن، والأصل تحريم هجر المؤمن إلا لمصلحة، أما الكافر فهل نسلم على الكافر؟ لا، لا نسلم عليه أبداً لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه» مع أن اليهود والنصارى هم خير الكفار، والكفار كلهم لا خير فيهم، لكن لهم أحكام خاصة بهم، ولهذا تحل نساؤهم وتحل ذبائحهم، ويُقرُّون على دينهم بالجزية، وغيرهم لا تحل نساؤهم، ولا تحل ذبائحهم، ولا يقرون على دينهم بالجزية عند أكثر أهل العلم، إذا كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- نهى أن نبدأ اليهود والنصارى بالسلام، فغيرهم من البوذيين والمجوس والوثنيين والشيوعيين من باب أولى، ولهذا لا يجوز أن تسلم على يهودي أو نصراني أو غيرهما من الكفار، حتى لو دخلت عليهم في مجالسهم لا نسلم امتثالاً لأمر النبي -صلى الله عليه وسلم-: ﴿مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:80] ولكن إذا سلموا هل أرد عليهم السلام؟ نقول: نعم ترد عليهم السلام؛ لأن الله يأمر بالعدل والإحسان، وليس من العدل إذا سلم عليك أحد ألا ترد عليه، ولهذا كان من محاسن دين الإسلام أنهم -أي: الكفار- إذا سلموا علينا رددنا عليهم السلام، ولكن كيف نرد؟ نرد إذا صرحوا بالسلام علينا، وقالوا: السلام عليكم، قلنا: عليكم السلام، أما إذا كان غير صريح وغير واضح، فنقول: وعليكم، ولا نقول: السلام؛ لأن اليهود كانوا في المدينة مع الرسول -عليه الصلاة والسلام- فيمرون بالنبي -صلى الله عليه وسلم- فيقولون: السام عليك يا محمد! -ومعنى السام: الموت- فكانوا لا يوضحون توضيحاً كاملاً، فما يقولون: السام عليكم، يجعلونها بين اللام وبين عدمها، فقال النبي -عليه الصلاة والسلام-: «إن اليهود إذا سلموا عليكم يقولون: السام عليكم؛ فقولوا: وعليكم» ومر يهودي بالنبي -صلى الله عليه وسلم- وعنده أم المؤمنين عائشة فقال: السام عليك يا محمد، فقالت عائشة: عليك السام واللعنة، يعني: عليك الموت وعليك أيضاً زيادة ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء:86] فهذا حيا بتحية سيئة فحيي بأسوأ منها فنهاها النبي -صلى الله عليه وسلم- وقال لها: («إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله» قالت: ألم تسمع ما قالوا؟ قال: «قد قلت: وعليكم» إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم، فمن باب الفضل حيوا بأحسن منها، ولكن من باب العدل لا تحيوا بأسوأ منها، بل تقولوا: وعليكم، وبهذا يحصل الرد الواجب إن كانوا قد قالوا: السام عليكم فهو عليهم، وإن كانوا قد قالوا: السلام عليكم فهو لهم، فإذا صرحوا وقالوا: السلام عليكم كما يوجد الآن في كثير من الأعاجم، من الهنود وغيرهم يقول: السلام عليكم وهو كافر، فماذا تقول؟ لك أن تقول: عليك السلام؛ لأن الإسلام ميزان قسط وعدل، تقول: عليك السلام ولا حرج عليك في هذا.

رد السلام بالأمثل:

ومن الأمور التي تجب ملاحظتها في السلام أن ترد بالمثل كماً وكيفاً؛ أي: في الكمية وفي الكيفية.

السؤال:

فإذا قال المسلِّم: السلام عليك ورحمة الله.

الجواب:

عليك السلام ورحمة الله.

السؤال:

إذا قال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الجواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، فإذا قال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومغفرته ورضوانه وخيراته، اقتصرت على وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته؛ لأن هذا ما جاءت به السنة، وهذا باعتبار الكمية، يعني: أعطه من الجمل مثل ما أعطاك، وأما باعتبار الكيفية فإنه يسلم بعض الناس بالكلام الواضح الصريح برفع صوته؛ فيجيء الراد يرد عليه بأنفه؛ أي: يتكلم بكلام ربما لا يسمع، فهل يجزئ هذا الرد أو لا يجزئ؟ هذا لا يجزئ؛ لأن هذا أنقص في الكيفية من السلام، والله يقول: ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء:86] ولهذا تجد المسلم يكون في نفسه شيء من أخيه، ويعتب عليه، يقول له: لماذا أسلم عليك بلسان فصيح صريح وأنت تسلم علي بأدنى أنفك؟ فهذا أيضاً من المسائل التي يجب التنبه لها.

مسائل أخرى متعلقة بالسلام:

السؤال:

إذا دخلت على جماعة وفيهم كفار ومسلمون فهل تسلم أم لا تسلم؟

الجواب:

نقول: سلم؛ لكن انوِ بالسلام المسلمين؛ لأن الكفار لا يجوز ابتداؤهم بالسلام.

السؤال:

إذا دخلت مجلساً وفيهم رجل كبير لعلمه أو فضله أو ما أشبه ذلك، وسلمت وأنت تقصد هذا العالم ورد غيره،هل تبرأ ذمة هذا العالم الذي نعلم أن المسلِّم إنما قصده هو بالسلام؟

الجواب:

لا، ولهذا إذا دخل الإنسان وسلم وأنا أعلم أنه إنما يريد العالم قلنا للعالم: لا بد أن ترد، إن رد غيرك فإنه لا يجزئ؛ لأننا نعلم أن مراد هذا الداخل بالسلام السلام على هذا العالم قبل كل شيء، فهذه جمل من المسائل في السلام.

وفي النهاية أوصيكم أن تفشوا السلام بينكم.

أفشوا السلام بينكم، لا يمر أحد بأحد إلا ويسلم عليه، لتزرعوا المودة بينكم ويزداد بذلك إيمانكم، ويكون هذا سبباً لدخولكم الجنة، وهو من مكارم الأخلاق ومن محاسن الأعمال، وفقنا الله وإياكم لذلك، وجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

وإلى الأسئلة.

مشاركة على واتساب

المصدر الأصلي

binothaimeen.net

زيارة المصدر الأصلي ↗