آيات الصيام في كتاب الله
السؤال
من الذي يجب عليه الصوم؟ الجواب: نقول: الذي يجب عليه الصوم ما استكمل شروطاً ستة: أن يكون مسلماً، بالغاً، عاقلاً، قادراً، مقيماً، خالياً من الموانع، هذا الذي يجب عليه الصوم أداءً، يجب عليه أن يصوم رمضان في وقته. - فالمسلم ضده الكافر لا يجب عليه الصوم، لكن هل يعاقب عليه في الآخرة؟ نعم يعاقب عليه، فالكافر يعاقب على كل واجب أوجبه الله وتركه وهو لا يقبل منه ولو فعل، الكافر يعاقب على كل شيء حلال تناوله وانتفع به والمسلم لا يعاقب على الحلال، الكافر إن أكل عوقب يوم القيامة، إن لبس عوقب يوم القيامة، كل لقمة يأكلها الكافر يعاقب بها يوم القيامة، كل شربة يشربها يعاقب بها يوم القيامة، ما هو الدليل؟ قول الله -تبارك وتعالى-: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة:93] وغير الذين آمنوا وعملوا الصالحات عليهم جناح -هذا في الطعام- وقال في اللباس: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف:32] غير المؤمنين وإن كانت لهم في الدنيا لكن ليست خالصة يوم القيامة، يعاقبون عليها، إذاً الإسلام ضد الكفر، فالكافر لا نلزمه بالصوم، لكن نمنعه في بلاد المسلمين من إظهار الأكل والشرب، وهذه مسألة يجب أن ننتبه لها، لا يجوز فتح المطاعم ولو للكفار -وطبعاً للمسلمين غير مفتوحة- في أيام رمضان، ومن رأى منكم صاحب مطعم فتحه في رمضان وجب عليه أن يبلغ الجهات المسئولة لمنعه، ولا يمكن لأي كافر أن يظهر أكلاً أو شرباً في نهار رمضان في بلاد المسلمين، يجب أن يمنع من ذلك. - البالغ: ضده الصغير، الصغير لا يجب عليه أن يصوم، لكن قال العلماء: يجب على وليه أن يأمره بالصوم ليعتاده اتباعاً للصحابة -رضي الله عنهم-، فقد كان الصحابة يصوِّمون الصبيان حتى إن الصبي يصيح من الجوع فيعطونه اللعبة من العهن -وهو الصوف أو القطن وما أشبهه- يعطونه لعبة يتلهى بها إلى غروب الشمس، قال أهل العلم: نحن تبع لسلفنا الصالح نأمر أبناءنا بالصوم ونلهيهم ونلعبهم حتى تغيب الشمس. - عاقل: ضده من لا عقل له من المجانين، والمهذرين، والمعتوهين، وما أشبه ذلك، هؤلاء ليس عليهم صوم ولا إطعام أيضاً. - قادر: ضده العاجز، فالعاجز عن الصوم كما مر في الآية: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:184] لكن العلماء بالتتبع يقولون: إن العجز على قسمين: القسم الأول: عجز مستمر كعجز الشيخوخة، وأمراض السرطان، وما أشبهها، فهذه لا يُرجى زوالها إلا إن أمكن للشيخ أن يرجع شاباً، يقول الشاعر: ألا ليت الشباب يعود يوماً *** فأخبره بما فعل المشيب إذاً من عجز عن الصوم لكبر ففرضه الإطعام، من عجز عن الصوم لمرض لا يرجى زواله ففرضه الإطعام، يطعم عن كل يوم مسكيناً، أتدرون ماذا كان يفعل الصحابة؟ كان أنس بن مالك لما كبر وكان لا يستطيع الصوم فصار في آخر يوم من رمضان يصنع طعاماً فيجمع عليه ثلاثين فقيراً ويعشيهم، وتنتهي المسألة. أما القسم الثاني من العجز: فهو عجز طارئ يرجى زواله، فهذا هو المذكور في الآية أن عليه كما قال تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:184]. - مقيم: ضده المسافر، فالمسافر لا يلزمه الصوم في السفر، له أن يأكل ويشرب ويجامع زوجته إن كانت معه ولا حرج عليه، ويقضي إذا عاد إلى وطنه، وله فسحة في القضاء من رمضان إلى رمضان كم شهراً؟ أحد عشر شهراً هو فيها مخير، صم القضاء في شوال، صم في ذي القعدة، صم في ذي الحجة، لكن لا تصم يوم العيد ولا أيام التشريق، صم في محرم، في صفر، في ربيع في ربيع، في جمادى في جمادى، في رجب، في شعبان، لكن لا تؤخر إلى رمضان الثاني. والمسافر إذا كان ذاهباً للعمرة في رمضان هل يفطر في مكة؟ نعم يفطر في أم القرى، في أفضل البقاع في أيام العشر؛ لأن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- وهو الأسوة وهو -صلى الله عليه وآله وسلم- أحرص الناس على الخير بلا شك، فتح مكة في العشرين من رمضان أو في الثامن عشر منها وبقي في العشر الأواخر في مكة ولم يصم، ثبت ذلك عن ابن عباس -رضي الله عنهما- في صحيح البخاري أنه لم يصم، ما قال: هذا زمن شريف ومكان شريف فأنا آسف إن لم أصم، بل أخذ بتيسير الله ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ [البقرة:185]. ولقد شاهدت من يعتمرون في العشر الأواخر يدخل المسجد الحرام ويطوف وهو على آخر نفس من المشقة، ويسعى وهو على آخر نفس من المشقة، فإذا قيل له: أفطر، قال: أسف! كيف أفطر؟ يقول: لا ما يمكن أن أفطر في العشر الأواخر من رمضان وفي مكة، أتحمل والأجر على قدر المشقة، هذا خطأ، هذا فهم خاطئ، نقول: إذا كان أنشط لك أن تفطر فأفطر فأنت مأمور بالفطر. وفي غزوة الفتح كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- سافر من المدينة في رمضان في السفر، كان يقول لهم: أفطروا ولكن لم يأمرهم بعزم، فلما قرب من مكة قال النبي الذي أعطاه الحكمة: «إنكم ملاقوا العدو والفطر أقوى لكم فأفطروا» ألزمهم بالفطر، كان في الأول رخصة ثم صار عزيمة؛ لأنه أقوى لهم على العدو، فكذلك أيضاً في العمرة إذا كان أقوى لك أن تفطر فأفطر، أنت جئت للعمرة فأدِ العمرة على ما ينبغي، ولكن لو سألنا سائل فقال: هل الأفضل أن أبادر العمرة في النهار وأفطر أو أؤخرها إلى الليل وأبقى صائماً؟ الأول أفضل؛ لأن الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- كان إذا قدم مكة معتمراً لا يتأخر، حتى أنه ينيخ راحلته عند المسجد ويدخل ويطوف قبل أن ينزل منزله فهذا أفضل. - ومن الشروط كذلك أن يكون خالياً من الموانع: وهذا خاص بالنساء، وهو ألا تكون حائضاً ولا نفساء، فإن كانت حائضاً أو نفساء فإنه لا يلزمها أن تصوم؛ لقول النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- في الحائض: «أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم». فالحائض لا تصوم، ولو صامت هل يجزؤها؟ لا، قال أهل العلم: يحرم عليها الصوم بإجماع العلماء، ولا يصح منها الصوم بإجماع العلماء، وتقضي الصوم بإجماع العلماء، ثلاثة إجماعات: الإجماع الأول: يحرم. والثاني: لو صامت لم يصح. والثالث: يلزمها القضاء، هذه شروط وجوب الصوم. مفسدات الصوم: ما هي المفطرات؟ المفطرات: الأكل والشرب والجماع هذه ذُكرت في آية واحدة: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة:187] ما هذا؟ الجماع ﴿بَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة:187]: أي النساء ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ [البقرة:187] هذا الأكل والشرب ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ﴾ [البقرة:187] قال: ﴿يَتَبَيَّنَ لَكُمْ﴾ [البقرة:187] ولم يقل: حتى يطلع، فلو فرض أننا شككنا: هل طلع الفجر أم لم يطلع فهل لنا أن نأكل ونشرب؟ نعم نأكل ونشرب، لو تبين بعد ذلك أن الفجر قد طلع، هل علينا القضاء؟ ليس علينا قضاء، لماذا؟ لأن الله قد أذن لنا أن نأكل ونشرب حتى يتبين، ونحن الآن ننظر إلى الأفق ونحن في شك، شخص يقول: طلع الفجر، وآخر يقول: ما طلع الفجر، فيجوز لنا أن نأكل ما دمنا شاكين، وإذا تبين أن الفجر قد طلع قبل أكلنا فلا قضاء علينا، سبحان الله! نأكل بالنهار ولا قضاء علينا! نقول: نحن حين أكلنا نعتقد أننا في الليل، وقد أذن الله لنا حَتَّى ﴿يَتَبَيَّنَ لَكُمْ﴾ [البقرة:187] وقال النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-: «إن بلالاً يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم، فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر» يطلع الفجر ثم يؤذن؛ ولهذا رخص للإنسان إذا سمع الأذان والإناء في يده -لبناً أو ماءً- أن يشرب حتى يقضي نهمته منه، وهذا من التيسير. إذاً هذه المفطرات الثلات: الجماع والأكل والشرب، ودليلها قوله تعالى: ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة:187]. الرابع: ما كان بمعنى الأكل والشرب، وهو الذي يغني عن الأكل والشرب مثل الإبر المغذية، الإبر المغذية مفطرة للصائم؛ لأنها تعطي البدن ما يعطيه الأكل والشرب، والله تعالى إنما حرم الأكل والشرب، وما كان بمعناهما فلها حكمهما؛ لأن الشريعة لا تفرق بين متماثلين، الإبر الأخرى التي تؤخذ في الوريد كإبر السكر وإبر البنج وإبر تخفيف الألم وما أشبهها هل تفطر؟ نقول: لا تفطر، فإذا قال إنسان: إنها مفطرة لأنها تصل إلى داخل الجوف، أو إلى داخل البدن أو تختلط بالدم، قلنا: بيننا وبينك كتاب الله ائت بحرف واحد يدل على أن مثل هذا مفطر وعلى العين والرأس، أما أن الله يقول: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ [البقرة:187] وأنت تقول: كل ما وصل إلى الدم أو إلى الجسم فهو مفطر، من قال هذا؟ أتضيق على عباد الله ما وسع لهم؟! الإبر التي بمعنى الأكل والشرب نقول: إنها مفطرة؛ لأنها تغني عن الأكل والشرب فهي بمعناه، ومع ذلك يا إخواني نقول: إنها مفطرة؛ لأنها بمعنى الأكل والشرب، ونحن خائفون من الله أن نضيق على عباد الله؛ لأنه قد يقول قائل: القياس هنا قياس مع الفارق، كيف قياس مع الفارق؟ الأكل والشرب هل الإنسان يتمتع به بمجرد كونه غذاءً أو يتمتع به أولاً وقبل كل شيء لكونه مطعوماً لذيذاً؟ الثاني، فمن الجائز أن تكون العلة في إفطار الأكل والشرب هي التلذذ به أكلاً وشرباً ثم تغذية البدن به ثانيا، والتلذذ بالإبر المغذية مفقود، ولهذا نجد المريض الذي يغذى بهذه الإبر أشوق ما يكون إلى الأكل والشرب، وإذا رخص له في الأكل والشرب تجده يأكل القدر كله؛ لأنه مشتاق إليه تماماً، إذاً: فلو أن أحداً من الناس عارضنا وقال: قياسكم ممنوع لظهور الفارق، أظن أن نقف مكتوفي الأيدي لا نستطيع أن نرد عليه، ولهذا نحن نقول: إن الإبر المغذية مفطرة ونحن على وجل وخوف، ولكن يسهل علينا هذا القول أن الغالب أن الإنسان لا يحتاج إلى إبر مغذية إلا وهو مريض، والمريض يحل له الفطر، فنقول: استعملها وأفطر واقض يوماً بدله. الخامس: نزول المني بشهوة بفعل من الصائم، ثلاثة شروط: نزول المذي هل يفطر؟ المذي ولو كان بشهوة، أو بفعل من الصائم لا يفطر، فلو أن الرجل قبل زوجته وأمذى فصيامه صحيح. قولنا: بشهوة، لو نزل بغير شهوة -أحياناً يصاب الإنسان بمرض فينزل المني بدون شهوة- فإنه لا يفطر. الثالث: بفعل الصائم، مثل: أن يباشر زوجته بالضم، أو الإيلاج بين الفخذين، أو ما أشبه ذلك، فينزل هذا بفعله، أو يستمني والاستمناء حرام في الصيام وغير الصيام، فإذا أنزل فسد صومه، فإن كان بغير فعل منه مثل أن فكر رجل وهو صائم في الجماع فنزل منه المني بشهوة فهل يفسد صومه؟ لا يفسد صومه، لقول النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-: «إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم» وهذا الرجل حدث نفسه ولم يعمل شيئاً، ما حرك ذكره، ولا ضم الأرض، ولا ضم شيئاً، ولا استمنى، إنما فكر فأنزل، نقول: صومه صحيح. السادس: القيء عمداً، إذا استقاء الإنسان عمداً فسد صومه، فإن غلبه القيء بأن هاجت عليه معدته حتى خرج ما فيها فصومه صحيح، أين ورد في القرآن أن القيء مفطر؟ نقول: نعم، في القرآن موجود أن القيء مفطر: ﴿وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:7] قال النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-: «من ذرعه القيء» -أي: غلبه- «فلا قضاء عليه، ومن استقاء عمداً فليقض» سؤال: لو هاجت معدته فهل يلزمه أن يمسكها أو يدعها؟ يدعها؛ لأنه لو أمسكها مع هيجانها وتهيئها للخروج كان في ذلك ضرر، لكن هل يجذبها؟ لأن بعض الناس إذا هاجت معدته جذبها لأجل أن يستقيء؟
الجواب
نقول: لا، فإذا هاجت فقف منها موقف السلب، لا تجذبها ولا تمنعها ولا تضرك.
السابع: خروج الدم بالحجامة، ما هي الحجامة؟ أي: إذا حجم الإنسان فخرج منه دم فإن صومه يفسد ويفطر بذلك؛ لقول النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-: «أفطر الحاجم والمحجوم» أفطر، أي: فسد صومه، لأن الصوم ضده الفطر، وفي معنى الحجامة الفصد والشرط، والفرق بينهما أن الفصد قطع العرق عرضاً والشرط قطعه طولاً، فإذا حصل فصد أو شرط وخرج دم كدم الحجامة، فإنه يفطر بذلك وسمعتم الدليل.
الثامن: خروج دم الحيض والنفاس، وهذا خاص بالمرأة، فإذا خرج من المرأة دم حيض أو نفاس ولو قبل الغروب بلحظة فسد صومها، وإن أحست به ولكن لم يخرج إلا بعد غروب الشمس ولو بلحظة فصومها صحيح، والدليل: قول النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- في الحائض: «أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم» وعرفتم أن صوم الحائض لا يصح بالإجماع، فإذا حاضت في أثناء النهار فسد صومها، ولزم عليها القضاء، هذه هي المفطرات التي تفسد الصيام.
هل النظر بشهوة مفسد للصوم؟ ليس مفسداً؛ لأنه ليس من هذه الثمانية، التقبيل: قبَّل رجل امرأته بشهوة فهل ذلك مفطر أم غير مفطر؟ غير مفطر ولا ناقض للوضوء أيضاً، هذه المفطرات يشترط لكونها مفسدة للصوم ثلاثة شروط:
1- العلم.
2- الذكر.
3- الإرادة والاختيار.
العلم ضده الجهل، الذكر ضده النسيان، الاختيار ضده الإكراه وغير الإرادة، فإذا أتى الإنسان شيئاً من هذه المفطرات جاهلاً فصومه صحيح، وإن أتى واحداً من هذه المفطرات ناسياً فصومه صحيح، وإن أتى واحداً من هذه المفطرات غير مريد فصومه صحيح، ما هو الدليل؟ قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:286] فقال الله: فد فعلت، وقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب:5] وفي الحديث عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-: «إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه»
ثم إن الخطأ والنسيان ورد فيهما نصوص خاصة:
مثال الخطأ: روى البخاري في صحيحه عن أسماء بنت أبي بكر -رضي الله عنهما- قالت: أفطرنا في يوم غيمٍ على عهد الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- ثم طلعت الشمس" إفطارهم هنا كان جهلاً، لو علموا أن الشمس لم تغرب ما أفطروا، هل أمروا بالقضاء؟ لا؛ لأنه لو وجب عليهم القضاء لأمروا به، ولو أمروا به لنقل إلينا، لأنه إذا أمر به كان من الدين، والدين لا بد أن ينقل إلى الأمة لا سيما في هذه الأمور الكبيرة.
ومثال النسيان: في الصحيح عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قال: «من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه» هذا نص.
الشرط الثالث: الاختيار والإرادة، والدليل على اعتبار هذا الشرط قوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنْ اللَّهِ﴾ [النحل:106] فإذا كان الكفر وهو أعظم المعاصي يرفع حكمه الإكراه فما دونه من بابٍ أولى، وإذا كان الإنسان لو كفر وهو مكره لم يخرج من الإسلام ولا إثم عليه، فلو أكل أو شرب وهو مكره لم يخرج من الصيام وليس عليه إثم.
مسائل مهمة في الصيام:
نأخذ على هذا مسائل:
- رجل قام من آخر الليل وقدم السحور وأكل وشرب فإذا بالمؤذن يقيم الصلاة فما حكم صومه؟ صحيح؛ لأنه جاهل بالوقت، لو علم أن الفجر قد طلع ما أكل.
- رجل سمع الأذان في الراديو عند غروب الشمس فظنه أذان مسجده فأفطر، ثم إذا بمؤذن مسجد في حيه يؤذن، هل عليه قضاء؟ لا قضاء عليه؛ لأنه جاهل.
السؤال:
رجل جاءه الصبي وقد سمع الأذان في الراديو، فقال: يا أبي أذن، أذن يا أبي، فأفطر الرجل هل يقضي أو لا يقضي؟
الجواب:
هنا يختلف الأمر: هل يعتبر خبر الصبي؟ لا، هذا مفرط غير معذور؛ لأن خبر الصبي لا يوثق به فعليه القضاء، لكن لو جاءه بالغ عاقل وقال له: أذن، وهو قد سمع الأذان من الراديو، فظنه أذان الحي فأكل بناءً على خبره فصومه صحيح، إذاً لا يفطر الإنسان بالمفطرات إلا بشروط ثلاثة، وعرفتم أدلتها من الكتاب والسنة، والإنسان إذا أفتى أو إذا عمل في نفسه بما يدل عليه الكتاب والسنة فهو مطمئن، لكن يجب على كل واحد ألا يتسرع في الفتيا حتى يتبين له الأمر.
وختاماً لهذا اللقاء:
فإني أحث نفسي وإياكم على اغتنام وقت رمضان بالذكر، وقراءة القرآن، والصدقة، والإحسان إلى الخلق، والكف عن المحرمات، الكف عن الكذب، عن الغيبة، عن النميمة، عن الغش، عن كل محرم؛ لأن هذا هو المقصود من الصيام.
فضل القيام في رمضان:
أما القيام فإن قيام رمضان سنة، سنه الرسول -عليه الصلاة والسلام-، والمشروع أن يكون قيام رمضان جماعة؛ لأن الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- قام في الناس جماعة ثلاث ليالٍ، ثم تأخر، وقال: «إني خشيت أن تفرض عليكم» فبقي الناس بعد ذلك يصلي الرجلان، والثلاثة، والرجل الواحد، كل على حدة، وفي خلافة عمر خرج ذات يوم فوجد الناس أوزاعاً هذا يصلي وحده، والرجلان على حده، والثلاثة على حده، فرأى -رضي الله عنه- أن يجمع الناس على إمامٍ واحد، فجمعهم على تميم الداري، و أبي بن كعب، هذا يصلي أحياناً وهذا أحياناً، وأمرهما أن يصليا بالناس بإحدى عشرة ركعة، هكذا ثبت في موطأ مالك -رحمه الله- كما كان الرسول -عليه الصلاة والسلام-: "لا يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة" وهذا هو العدد الأكمل والأفضل، فالإحدى عشرة أفضل من ثلاث وعشرين ولكن لا تكون الإحدى عشرة بالسرعة المعهودة عند كثير من الأئمة، لا تجد فيها طمأنينة، ولا دعاء، ولا تسبيحاً، غاية ما يكون أن يأتوا بالواجب حتى في التشهد، أكثر الأحيان إذا وصلت إلى أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، قال: السلام عليكم، انتظر صل على النبي، تعوذ بالله من عذاب جهنم ومن عذاب القبر، دع الناس يدعون الله -عز وجل-، يقول: لا دعنا نمشي على طول لكي ننتهي قبل المساجد الأخرى، وإذا فعلنا ذلك فإن الناس يأتون إلينا كثيراً، لكن هذا غلط، نقول: اطمئن يا أخي، متى يحصل للإنسان رمضان؟ دع الناس يطمئنون ويدعون الله -عز وجل- وبدلاً من أن تخرج في ساعة، اخرج في ساعة ونصف.
والذي ينبغي لنا أن نصلي مع الإمام حتى ينصرف؛ من أجل أن ننال أجر الليلة كاملاً؛ لقول النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-: «من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة» وإن كان نائماً على فراشه، فكونك تبقى مع الإمام حتى ينصرف أفضل من كونك تنصرف قبل أن يتم، ثم في آخر الليل تقوم، ما دام الله يسر فصل، إذا صليت مع الإمام قيام ليلة كاملة، فاحمد الله على هذه النعمة، وقم مع الإمام حتى ينصرف، لكن إذا قال الإنسان: أنا أريد أن أتهجد في آخر الليل؛ لأن لي عادة بذلك، أو أرغب أن أناجي الله -عز وجل- في آخر الليل، قلنا: لا بأس، لكن إذا أوتر الإمام وسلم من وتره، فقم وأت بركعة ليكون الوتر في حقك شفعاً، ويكون وترك أنت آخر الليل، لقول النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-:«اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً» وقال: «من خاف ألا يقوم من آخر الليل فليوتر أوله، ومن طمع أن يقوم من آخر الليل، فليوتر آخر الليل فإن صلاة آخر الليل مشهودة» وذلك أفضل.
السؤال:
فإذا قال قائل: كيف أخالف الإمام والإمام صلى واحدة وأنا صليت اثنتين؟
الجواب:
إن هذا جائز، أليس الرجل إذا كان مقيماً وصلى خلف إمام مسافر وسلم المسافر، ماذا يفعل؟ يتم، يأتي بركعتين أكثر من إمامه، يزيد على إمامه، وهذا مما جاءت به الشريعة. هذا الرجل زاد على إمامه لأنه ما نوى الوتر، نوى أن يصلي شفعاً ليجعل وتره في آخر الليل.
والمهم أننا نوصي هنا بوصيتين:
الوصية الأولى: للأئمة، والوصية الثانية: لسائر الناس.
أما الأئمة: فإننا نوصيهم بتقوى الله -عز وجل-، وأن يرفقوا بمن ورائهم، وأن يعطوا من وراءهم مهلة من أجل أن يذكروا الله، ويسبحوه، ويدعوه،، وإذا اقتصروا على إحدى عشرة ركعة مع الطول كان خيراً من ثلاث وعشرين ركعة مع السرعة الفادحة.
حدثني من أثق به أن رجلاً دخل المسجد في رمضان وهم يصلون صلاة التراويح -التراويح على العهد السابق- فقام يصلي معهم لكن كانوا في الأول يعجلون عجلة شديدة، يقول: فلما نام من الليل رأى في المنام أنه دخل هذا المسجد فوجد الجماعة يحندون ويرقصون، والحند معناه (كل واحد يأخذ جسمه وينزل) ويرقصون، إشارة إلى أن هذه الصلاة لعب، لا يطمئنون فيها، ولا يتمكنون من دعاء أو ذكر، لكن الآن ولله الحمد خفت المسألة، صار كثير من الأئمة يطمئنون في القراءة، يطمئنون في الركوع، في القيام بعد الركوع، في السجود، في الجلوس بين السجدتين، فيحصل خير كثير.
أما الوصية الثانية: فهي لعامة الناس أن يحرصوا على هذه التراويح، وأن يقوموا مع الإمام حتى ينصرف، أما ما يفعله بعض الناس ولا سيما فيما سبق من عهد، يصلي في هذا المسجد ركعتين، وفي المسجد الثاني ركعتين، والثالث ركعتين، فهذا ضياع، نقول: إذا صليت مع الإمام صلاة العشاء، فاجلس في المسجد إلى أن تُتم التراويح.
أسأل الله تعالى أن يتمم علينا وعليكم نعمته، وأن يجعلنا ممن يصومون رمضان ويقومونه إيماناً واحتساباً، إنه جواد كريم.
روابط ذات صلة:
تفسير سورة القدر
المقصود بالكلمة والشجرة الطيبة الواردة في القرآن الكريم
تفسير آيات من سورة الفجر