تفسير آيات من سورة الحديد
السؤال
82] ولقد كان الإنسان يتعجب من قبل ولا يستبعد أن يكتب في هذا اللوح مقادير كل شيء، والآن ظهر من صنع الآدمي قطعة صغيرة مسجل فيها آلاف الكلمات، أليس كذلك؟ بلى وتسمى الليزر، وهو عبارة عن لوحة صغيرة كالقرص تسجل فيها آلاف الكلمات، قد يسجل فيها جميع كتب الحديث المؤلفة، أو جميع التفاسير، أو جميع كتب الفقهاء وهي من صنع الآدمي، فكيف بصنع من يقول للشيء: كن فيكون، لما قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، فالمصائب التي تصيب الناس هل هي في أمر سابق؟ أو هي مستأنفة؟
الجواب
الأول؛ ولهذا قال: ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ [الحديد:22] قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد:22] (الهاء) في قوله: (نبرأها) قيل: إنها تعود على مصيبة، وقيل: على الأرض، وقيل: على الأنفس، وقيل: على الجميع، والصحيح أنها على الجميع، أي: من قبل أن نبرأ كل هذه الأشياء، أي: أن نخلقها؛ وذلك أن الله كتب مقادير كل شيء قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وخمسين ألف سنة مدة طويلة وهذا مكتوب، إذاً: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ الضمير يعود على ماذا؟ أن نبرأ الأرض؟ أن نبرأ المصيبة؟ أن نبرأ الأنفس؟ أن نبرأ الجميع؟ الجميع.
و(نبرأها) أي: نخلقها. بكم مدة؟ قبل أن يخلق الله السماوات والأرض بخمسين ألف سنة.
﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد:22] أي: إن كتابة هذه المصائب يسير على الله -عز وجل-، كيف يسره؟ لأنه قال للقلم: اكتب فكتب، وهذا يسير أم صعب؟ يسير، كلمة واحدة حصل بها كل شيء ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد:22] كل شيء فهو يسير على الله؛ لأن الأمر كلمة واحدة (كن فيكون) أرأيتم الخلائق يوم القيامة تبعث بكلمة واحدة، قال الله -عز وجل-: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس:53] وقال -عز وجل-: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ ۞فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات:13-14] أي: على وجه الأرض خرجوا من القبور، هذا يسير والله؛ ولما قال زكريا لله -عز وجل- حين بشره بالولد: ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيّاً﴾ [مريم:8] قال الله -عز وجل-: ﴿كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً﴾ [مريم:9] فأنا أوجدتك من قبل أن تكون، فبقدرتي أن يكون لك ولد بعد المدة الطويلة.
والله -عز وجل- لا يعجزه شيء، ولا يستعصي عنه شيء، ولا يتأخر عن أمره الكوني شيء ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد:22].
تفسير قوله تعالى: لكيلا تأسوا على ما فاتكم :
ثم قال: ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ [الحديد:23] أي: أخبرناكم بهذا أن كل مصيبة تقع فهي في كتاب لِكَيْلا تَأْسَوْا[الحديد:23] (اللام) هنا للتعليل، و(كي) بمعنى أن، أي: لئلا تأسوا، ومعنى تأسوا: تندموا على ما فاتكم مما تحبون.
﴿وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [الحديد:23] أي: لا تفرحوا فرح بطر واستغناء عن الله بما آتاكم من فضله، إذا علمت أن الشيء مكتوب من قبل فهل تندم على ما فات لأنه مكتوب والمكتوب لا بد أن يقع؟ هل تفرح فرح بطر واستغناء إذا آتاك الله الفضل؟ لا، لأنه من الله مكتوب من قبل فكن متوسطاً، لا تندم على ما مضى، ولا تفرح فرح بطرٍ واستغناء فيما أتاك الله من فضله؛ لأنه من الله، وفي الحديث الصحيح أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف» القوي في إيمانه، وليس القوي في بدنه، أصحاب الرياضة يجعلون هذا عنواناً «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف» ويقولون: المراد المؤمن القوي في بدنه وهذا غلط، القوي هنا وصف يعود على ما سبقه وهو الإيمان «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير» هذا يسميه البلاغيون احتراس بمعنى أنه قد يظن الظان أن الضعيف لا خير فيه، فقال: «وفي كلٍّ خير» ثم قال: «احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان» والإنسان إذا علم أن كل شيء مقدر ولا بد أن يقع رضي بما وقع، وعلم أنه لا يمكن رفع ما وقع أبداً؛ ولهذا يقال: دوام الحال من المحال، وتغيير الحال بمعنى رفع الشيء بعد وقوعه من المحال.
نعود إلى الآية ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [الحديد:23] مختال في فعله، فخور في قوله، ومن الاختيال في الفعل أن يجر ثوبه، أو مشلحه، أو عباءته، أو غير ذلك مما يدل على الخيلاء.
حتى وإن لبس ثوباً وإن لم يكن نازلاً لكنه يعد خيلاء، الفخور والمعجب بنفسه هو الذي يقول: فعلت وفعلت وفعلت، يفخر به على الناس؛ لأنك ما دمت فاعلاً للشيء تريد ثواب الله، ما حاجة أن تفخر به على الناس! بل اشكر الله عليه وحدث به على أنه من نعمة الله عليك.