دعاء وتأمين
السؤال
أن تكون التوبة في وقت تقبل فيه التوبة. إخلاص التوبة لله عز وجل. فمن تاب مراعاةً للخلق فتوبته غير مقبولة؛ لأنه لم يتب إلى الله، وإنما تاب إلى الخلق، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: قال الله تعالى: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه». انتبه يا أخي! أخلص النية لله، لو تصدقت بمائة ريال ليقول الناس: إنك كريم فهل تقبل؟ لا تقبل، لأنك أشركت مع الله، تصدق ليقول الله عز وجل: هذا عبدي تصدق تقرباً إلي. الندم. الثاني الندم: فلا بد أن يكون في قلبك حسرة على ما جرى من الذنب، لا يكن فعلك للمعصية وعدمه سواءً، بل لا بد أن يكون في قلبك حسرة، تتحسر وتقول: ليتني ما فعلت! أغواني الشيطان! وما أشبه ذلك. الإقلاع عن الذنب. الثالث: الإقلاع عن الذنب: وما أثقل هذا الشرط على كثير من الناس! فلننظر إلى إنسان يترك الصلاة، كيف يكون الإقلاع عن ترك الصلاة؟ أن يصلي. إنسان يأكل الربا فكيف الإقلاع؟ أن يترك الربا. إنسان تعدى على شخص فضربه، فكيف الإقلاع؟ الإقلاع أن يستحله ويقول: يا فلان حللني. إنسان اغتاب شخصاً تكلم في عرضه وهو غائب، فكيف الإقلاع منه؟ أن يمسك عن غيبته وأن يستحله، يقول: يا فلان حللني، وإذا جاءك أخوك المسلم يطلب منك الحل فلا ترده، حللَّه حتى يكون أجرك على الله عز وجل، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:40] بعض الناس -والعياذ بالله- تأخذه العزة بالإثم، فإذا جاءه أخوه يستحله يقول: كيف أحللك وأنت هتكت عرضي وتكلمت عليَّ في المجالس وما أشبه ذلك؟ نقول: ما دام الرجل جاء يستحلك فاحتسب الأجر على الله عز وجل، ولعلك إذا حللته أن تنقلب غيبته إياك ثناءً عليك، وهذا هو الواقع. وذا كان الذنب أخذ مال من شخص؛ سرقة، أو غصباً، أو ما أشبه ذلك، فكيف الإقلاع عنه؟ أن ترد المال إليه، فإذا قال: لا أستطيع، لو ذهبت وأعطيته -مثلاً- مائة ريال لقال: أخذت مني ألفاً، ثم جعلها مشكلة، نقول: إذا خفت من هذا فهناك طرق: كأن تعطي المال شخصاً ثقة وتقول: يا فلان! هذا المال أخذته سرقة من ذلك الرجل وعينه، جزاك الله خيراً أده إليه وقل له: إن هذا مال قد أخذ منك في سالف الزمان، وتبرأ الذمة بهذا، وإذا لم تجد ثقة فاجعله في ظرف وأرسله في البريد ولا تكتب عنواناً لك، وقل: هذا من أخ لك تاب إلى الله وقد أخذه منك فحلله، إذا كنت لا تعرفه، مثل أن يكون صاحب دكان أخذت منه شيئاً وسافر الرجل ولم تدر من هو ولا تعرف محله، فماذا تصنع؟ تصدق به تخلصاً منه لا تقرباً به إلى الله، لأنك لو تصدقت به تقرباً إلى الله ما قبل الله منك، لكن تصدق به لصاحبه تخلصاً منه، فإن كان صاحبه كافراً، وهذا يقع من بعض الناس يكون عنده عامل غير مسلم فيظلمه، ولا يوفيه، ويسافر العامل، ولا يعرف عنه لا مكانه، ولا حمولته، ولا شيئاً مما يمكن أن يتوصل إليه، فإنه يتخلص من هذه الدراهم ويعطيها إما بيت المال، وإما شخصاً فقيراً، أو ما أشبه ذلك، وهذا الرجل إن أسلم نفعته الصدقة، وإن لم يسلم لم تنفعه الصدقة؛ لأن الكافر لا ينفعه أي عمل صالح. العزم على عدم العودة إلى الذنب. الرابع: العزم على ألا يعود: فلا بد أن تعزم على ألا تعود، فإن تبت مخلصاً لله، نادماً على ما فعلت، مقلعاً عنه، لكن في قلبك أنه لو تيسرت لك المعصية الثانية لفعلت، فإن التوبة لا تصلح؛ لأن توبتك الآن توبة مؤقتة إلى أن تسنح الفرصة لك فتفعل المعصية، هذا لا ينفع. لكن هل يشترط ألا يعود أم ليس بشرط؟
الجواب
ليس بشرط، فليس من شرط التوبة ألا تعود، فربما يكون الإنسان عازماً على ألا يعود ثم تغلبه نفسه الأمارة بالسوء فيعود، فإذا عاد فالتوبة السابقة لا تبطل، ولكن عليه أن يجدد توبةً للذنب الذي فعله.
أن تكون التوبة في وقت تقبل فيه التوبة.
الشرط الخامس: أن تكون التوبة في وقت تقبل فيه التوبة، فخرج بذلك ما إذا حضر الموت الإنسان وتاب فإنه لا تقبل التوبة منه؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَيْسَتْ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ﴾ [النساء:18] هذا ما ينفعه، ولذلك لما أدرك فرعون الغرق قال الله عنه: ﴿قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس:90] فقيل له: ﴿أَالآنَ﴾ [يونس:91] تؤمن وتكون من المسلمين ﴿وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس:91] فلا تقبل منه، وهذا الشرط -أيها الإخوة- يستلزم أن نبادر إلى التوبة وألا نتأخر؛ لأننا لا ندري متى يأتينا الموت، كم من إنسان مات على فراشه! وكم من إنسان مات على سيارته! كم من إنسان يمشي وسقط ومات! فإذا كان هكذا فبادر بالتوبة لئلا يفجأك الموت.
أما الثاني: فهو طلوع الشمس من مغربها، فإنه إذا طلعت الشمس من مغربها: ﴿لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرا﴾ [الأنعام:158] لا يوجد توبة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تخرج الشمس من مغربها». وذلك أن هذه الشمس العظيمة التي أمرت أن تسير بانتظام تشرق من المشرق وتغرب من المغرب، إذا جاء وقت خروجها من المغرب استأذنت الله عز وجل أن تخرج من المشرق فيقول: اخرجي من المغرب فتخرج، فإذا رآها الناس آمنوا كلهم، لكن الذين لم يؤمنوا من قبل لا ينفعهم الإيمان.
أسأل الله تعالى أن يتوب علينا وعليكم توبةً نصوحاً، وأن يوفقنا لما فيه خيرنا وصلاحنا في ديننا ودنيانا، وأن يكتب ذلك لجميع المسلمين إنه على كل شيء قدير.
وإلى الأسئلة فيما بقي من الوقت.