الشيخ ابن عثيمين

السؤال

26] أي: فوق الحسنى، فسر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (الزيادة) بأنها النظر إلى وجه الله -اللهم اجعلنا ممن ينظر إليك في جنات النعيم-. تفسير قوله تعالى: (ثلة من الأولين...): قال تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ ۞ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ [الواقعة:13-14] (ثلة من الأولين) قيل: إن المراد بذلك الأمم السابقة (وقليلٌ من الآخرين) أي: أمة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وعلى هذا القول تكون قلة هذه الأمة في اعتبار كافة الأمم السابقة، وليس المعنى: أن الذين يدخلون الجنة من الأمم السابقين باعتبار كل نبي أكثر من الذين يدخلون الجنة من هذه الأمة. وقيل المراد بالأولين: أول هذه الأمة، أي: ثلة من هذه الأمة، وقليل من آخرها، وهذا القول هو الصحيح، بل هو المتعين؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إني أرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة» أي: نصفهم، وفي حديثٍ آخر: «إن أهل الجنة مائة وعشرون صفاً، منهم ثمانون من هذه الأمة» وعلى هذا فلا يصح أن نقول: قليلٌ من هذه الأمة وكثيراً من الأمم السابقة، بل نقول: (ثلةٌ) أي: كثيرٌ من هذه الأمة من أولها. (وقليلٌ) من آخرها ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ ۞ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾. تفسير قوله تعالى: (على سرر موضونة...): قال تعالى: ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ ۞ مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ﴾ [الواقعة:15-16] (سرر) جمع سرير: وهو ما يتخذه الإنسان للجلوس والنوم، (موضونة) قال العلماء: منسوجة من الذهب، (متكئين عليها) أي: معتمدين على أيديهم، وعلى ظهورهم، فهم في راحة في اليد، وفي الظهر، (متقابلين) أي: يقابل بعضهم بعضاً. وهذا يدل على سعة المكان؛ لأن المكان إذا كان ضيقاً لا يمكن أن يكون الناس متقابلين، لماذا؟ لا يتسع لهم، لابد أن يكون صفاً وراء صف، لكن إذا اتسع المكان ووضعت لهم سرر دائرية تقابلوا ولو كثروا، وهذه الآية تدل على أن الأمكنة واسعة وهو كذلك، ولهذا كان أدنى أهل الجنة منزلة من ينظر في ملكه ألفي عام، ينظر أقصاه كما ينظر أدناه، لا إله إلا الله، عجباً! ولكن ليس بعجب؛ لأن الله على كل شيءٍ قدير، والجنة عرضها كعرض السماوات والأرض، من يحيط بسماءٍ واحدة، كيف وهي كعرض السماوات السبع، والسماوات السبع بعضها فوق بعض، وكلما كان الشيء فوق، كانت الدائرة أوسع، فمن يحيط بهذا إلا الله عز وجل، عرضها كعرض السماوات والأرض. إذاً هم متقابلون؛ لأن أمكنتهم واسعة، ولأن لديهم من كمال الأدب ما لا يمكن أن يستدبر أحدهم الآخر، كلهم مؤدبون، كلهم قلوبهم صافية، قال الله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر:47] ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن التدابر، والتدابر يشمل التدابر القلبي بحيث يكون كل واحد متجه إلى وجه، والتدابر البدني، إلا عند الحاجة والضرورة هذا شيء آخر، وإلا فمتى أمكن التقابل فهو أفضل، ولو أن أحداً يكلمكم وهو قد ولاكم ظهره، هل يكون استماعكم له ومحبتكم له كما لو كان يحدثكم مستقبلاً إياكم؟ لا. وهذا شيء مشاهد معلوم. تفسير قوله تعالى: (يطوف عليهم ولدان مخلدون...): إذاً أهل الجنة على سرر متقابلين ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ ۞ مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ﴾ [الواقعة:15-16] وفي حال الاتكاء ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الواقعة:17] (الولدان) جمع ولد، أو جمع وليد. كغلمان جمع غلام، (يطوف عليهم) يتردد عليهم (ولدانٌ مخلدون) أي: خلقوا ليخلدوا، وهم غلمان شباب ﴿إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً﴾ [الإنسان:19] لجمالهم، وصفائهم، وكثرتهم، وانتشارهم في أملاك أسيادهم، (إذا رأيتهم) أي: رأيت الولدان. وإذا كان الولدان تحسبهم لؤلؤاً منثوراً فإن السادة أعظم وأعظم ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ ۞ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ [الواقعة:17-18] (أكواب) هي عبارة عن كئوس لها عروة، والأباريق أيضاً أواني لها عراوي، (وكأس من معين) ليس له عروة وقوله: (من معين) أي: من خمرٍ معين. ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنْزِفُونَ﴾ [الواقعة:19] أي: لا يوجع بها الرأس، ولا ينزف بها العقل، بخلاف خمر الدنيا فإنها توجع الرأس وتذهب العقل ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنْزِفُونَ ۞ وَفَاكِهَةٍ﴾ [الواقعة:19-20] معطوفة على قوله: (بأكواب) أي: ويطوف عليهم الولدان بفاكهة ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ [الواقعة:20] لطيبها منظراً، وطيبها مشماً، وطيبها مأكلاً، هذه الفاكهة طيبة في منظرها، طيبة في رائحتها، طيبة في مأكلها ومذاقها؛ لأن الله قال: ﴿مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ [الواقعة:20] وكون الإنسان يعاف الشيء إما لقبح منظره، أو لقبح رائحته، أو لقبح مأكله، الفاكهة في الجنة لا، بل بالعكس، طيبة في لونها، وحجمها، وريحها، ومذاقها. وسبحان الله! يؤتون بها متشابهة، متشابهة في اللون، والحجم، والرائحة، لكن في المذاق مختلفة، وهذا مما يزيد الإنسان فرحاً وسروراً، وإيماناً بقدرة الله عز وجل. ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة:21] أي: ويطوف عليهم هؤلاء الولدان بلحم طير، وذكر لحم الطير؛ لأن لحوم الطير أنعم اللحوم وألذها، وهذا الطير من أين يتغذى؟

الجواب

ليس لنا أن نسأل هذا السؤال؛ لأن أمور الغيب يجب علينا فيها أن نؤمن بها بدون السؤال عما لم يصل إلينا الخبر عنه.

فنقول: إن كانت هذه الطيور تحتاج إلى غذاء فما أكثر ما تتغذى به؛ لأنها في الجنة، وإن كانت لا تحتاج إلى غذاء فالله على كل شيءٍ قدير.

وإلى هنا ينتهي الكلام على ما منَّ الله به من تفسير هذه الآيات الكريمة، أسأل الله تعالى أن يجعلني وإياكم من السابقين السابقين إلى الخيرات، إنه على كل شيءٍ قدير.

مشاركة على واتساب

المصدر الأصلي

binothaimeen.net

زيارة المصدر الأصلي ↗