الشيخ ابن عثيمين

السؤال

أن تكون في الوقت الذي تُقْبَل فيه التوبة؛ لأن التوبة لها وقت تُرَدُّ فيه مهما تاب العبد وهو -أي: الوقت الذي لا تقبل فيه التوبة- نوعان: خاص. وعام. أما الخاص فهو: حلول الأجل: إذا حضر الموت فإنه لا قبول للتوبة مهما كان، دليل ذلك قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء:18]، هذا ليس له توبة بعد أن شاهد وعاين العذاب يقول: أتوب؟! لا ينفع، الحدود في الدنيا إذا قُدِر على العبد وتاب بعد القدرة عليه هل يرتفع عنه الحد؟ لا. لقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة:34] كذلك الإنسان إذا حضره الموت وشاهد وعاين لا تنفعه التوبة للآية الكريمة وهي في سورة النساء، وقد وقع ذلك فعلاً حين تاب فرعون بعد أن أدركه الغرق قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس:90] ماذا قيل له؟ قيل له﴿آلْآنَ﴾ [يونس:91] يعني: آلآن تؤمن بما آمنت به بنو إسرائيل؟! هذا لا ينفع ﴿وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس:91]. الثاني: العام: الوقت الذي يكون لعموم الناس، إذا حصل أو إذا جاء فإنها لا تقبل التوبة، وذلك إذا طلعت الشمس من مغربها، فالشمس الآن تدور منذ خلقها الله عز وجل، تأتي من ناحية المشرق وتغيب من ناحية المغرب، فإذا أراد الله تعالى انقضاء الدنيا انعكست القضية وصارت الشمس تأتي من المغرب، وإذا رآها الناس آمنوا كلهم؛ لأنهم يعلمون أن لهذا الكون مدبراً وإلا فمن يستطيع أن يأتي بالشمس من المغرب، هل من أحد يستطيع؟ لا. ولهذا قال إبراهيم للذي ناظره قال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة:258] لكن إذا رأى الناس كلهم الشمس بعد أن غابت رجعت من المغرب سيؤمنون، لكن هذا الإيمان هل هو قهري أم اختياري؟ قهري؛ لأنه شاهد. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْآمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً﴾ [الأنعام:158] والمراد ببعض الآيات هنا: طلوع الشمس من مغربها. إذاً: لابد للتوبة من شروط خمسة: الأول: الندم على فعل المعصية. الثاني: إخلاص النية لله عز وجل، بألا يقصد الإنسان بالتوبة أن ينال مرتبة، أو أن ينال جاهاً، أو أن يُمدح عند الناس، مثاله: إنسان معروف بالفسق والانحلال وأُعْلِن عن وظيفة إمام مسجد، ومعلوم أنه لن يُوَظَّف في إمامة المسجد إلا من كان مستقيماً، هو استقام من أجل ماذا؟ من أجل أن يكون إماماً في المسجد، هذا لا تنفعه التوبة؛ لأنه لم يخلص النية لله. الشرط الثالث: الإقلاع عن الذنب، وذلك بأن يأتي بالواجب إن أمكن تداركه، أو بدله إذا لم يمكن تداركه وكان له بدل، أو يقلع عن المحرم إذا كان الذنب فعلاً محرماً. حسن! إذا كان الذنب في حق إنسان بأن يكون شخص سرق من إنسان مالاً، السرقة حرام، تاب الرجل وندم وعزم على ألا يعود، فبماذا يكون تحقيق التوبة؟ لابد أن يوصل هذا المال إلى صاحبه، ولا يمكن أن تتم التوبة إلا بهذا، فإذا قال: أخشى إن ذهبتُ إلى هذا الرجل وأعطيته المال أخشى أن يترتب على ذلك ضرر عليَّ، على سمعتي، وربما أُحْبَس وأنا قد تبت إلى الله قبل أن يُقْدَر عليَّ! فكيف تكون الحال؟ هل يجوز أن يتصدق به عن صاحبه؟

الجواب

لا؛ لأن صاحبه معلوم، أما لو كان مجهولاً يقول: والله إنه سرق من أناس نسيهم أو جهلهم لا يدري أين هم، فهنا يتصدق بما سرق عنه، لكن إذا كان معلوماً لابد أن يوصله، إذاً: ماذا يصنع؟ نقول: ممكن أن تعطي شخصاً تثق به وتقول: يا فلان! إني سرقت هذا المال من فلان، وقد ندمتُ وتبتُ إلى الله فمِن فضلك أعطه إياه وقل له: هذه دراهم من إنسان تستحقها عليه وهو الآن يبذلها، إذا لم يكن هذا ممكناً فيمكن أن ترسل بالبريد، ويقال: هذه دراهم من شخص تستحقها عليه، وفي هذه الحال من المعلوم أنك لن تكتب اسمك أليس كذلك؟ وأيضاً لا يحسن أن تكتبها بقلمك؛ لأنه ربما يمر عليه يوم من الدهر، اكتبها بالآلة التي تطبع طباعة بالكمبيوتر أو غيره وأرسلها إليه، هذا إذا كان الحق مالياً، حق إنسان.

الغيبة وأقوال العلماء في كيفية التوبة منها:

إذا كان الحق غير مالي مثل أن يكون شخص اغتبتَه في مجلس أو مجالس فكيف التوبة من هذا؟ قال كثير من العلماء: لابد أن تذهب إليه وتستحله، وإلا فسيأخذ من حسناتك يوم القيامة، اذهب إليه وقل له: يا فلان! سامحني، وقال بعض العلماء: لا يجب أن تستحله، وإنما تستغفر له، وتثني عليه في المجالس التي كنت تغتابه فيها، والحسنات يذهبن السيئات، وقد جاء في الحديث: «كفارة من اغتبته أن تستغفر له». ولكن فيه قول ثالث وسط ولعله الصواب، يقول: إن كان صاحبك الذي اغتبته قد علم بذلك فلابد من أن تذهب إليه وتستحله؛ لأنه لن يزول ما في قلبه حتى تستحله، أما إذا كان لم يعلم فيكفي أن تستغفر له، وأن تثني عليه في المجالس التي كنت تغتابه فيها، والله غفور رحيم.

وينبغي لمن جاء إليه أخوه يعتذر منه أن يسامحه ولكن هل يناقشه ويقول: أنت الآن تطلب مني أن أحللك لكن ما الذي فعلت معي؟ يعني: هل ينبغي أن يناقشه ويرى ما الذي حصل، أو يقول: أنت في حل ويكفي؟ الأولى ألا يناقشه؛ لأنه ربما يذكر شيئاً كبيراً فتعجز نفسُ صاحبه عن أن يحلله، أليس كذلك؟ ربما إذا قال: والله حلني، قال: ماذا أنت فاعل معي، قال: فعلت كذا وكذا وكذا ويكون الشيء كبيراً وتأبى نفسه أن يحلِّل؛ لأن النفس أمارة بالسوء، فالأَولى ألا يسأل، ألا يقول: ما الذي فعلت؟ وأن يحتسب الأجر من الله ويقول: هذا جاء معتذراً، ومن عفا وأصلح فأجره على الله، ولولا أنه نادم وتائب وأنه يرجى في المستقبل أن تعود هذه الغيبة ثناءً حسناً، ويقول: أنت مني في حِل، وأجره على من؟ على الله.

فصار عندنا الآن بالنسبة لمن كانت مظلمته غير مال هل يذهب ويستحله أو لا يذهب؟ كم قولاً في المسألة؟ ثلاثة أقوال:

الأول: أنه لابد أن يذهب إليه ويستحله.

والثاني: لا حاجة للذهاب إليه، بل يستغفر له ويثني عليه في الأماكن التي كان يغتابه فيها.

والثالث: التفصيل، وهذا التفصيل هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وهو الحق؟ وهو أنه إن كان عالماً فلابد أن تستحله حتى يزول ما في قلبه، وإن كان غير عالم فلا حاجة إلى استحلاله، هذا بالنسبة للذي اغتاب غيره.

أما الذي اغتَيْبَ وطُلِبَ منه السماح فالذي نراه أن الأفضل والأكمل أن يحلِّله؛ لأنه أخوه جاءه معتذراً نادماً فليحلِلْه، وثقوا بأنه إذا حلله ستكون كبيرة عظيمة على الشخص الذي استحله، سيرى أنه أهدى إليه أكبر هديه فتنقلب الكراهة التي كانت من قبل تنقلب إلى محبة وألفة؟ وهذا هو المطلوب من المسلمين، أن يكون بعضهم لبعض آلفاً محباً وادَّاً، يقول الله عز وجل: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات:12] هو سبحانه وتعالى رحيم وهو رحمان، وقد اجتمع الاسمان في أعظم سورة في كتاب الله، فما هي؟ الفاتحة ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:2]. قال العلماء: إذا ذُكِر الرحمن وحده كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً﴾ [مريم:92]. وكما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان:60]. أو صار الرحيم وحده كما في هذه الآية: ﴿تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات:12] فمعناهما واحد، يعني: أن الرحيم وذو الرحمة الواسعة الشاملة، والرحمن إذا ذكر وحده هو ذو الرحمة الواسعة الشاملة، أما إذا اجتمعا جميعاً فالرحمن باعتبار الوصف، والرحيم باعتبار الفعل، انتبه! الرحمن باعتبار الوصف والرحيم باعتبار الفعل، يعني: أنه عز وجل ذو رحمة واسعة وهو -أيضاً- راحم يوصل الرحمة إلى من يشاء من عباده، كما قال الله تعالى: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ [العنكبوت:21].

أسأل الله تعالى أن يعمني وإياكم برحمته وجميع إخواننا المسلمين، وأن يجعلنا من دعاة الخير والإصلاح، إنه على كل شيء قدير.

مشاركة على واتساب

المصدر الأصلي

binothaimeen.net

زيارة المصدر الأصلي ↗